محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : حدثنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال : علمه اسم كل شيء : هذا جبل ، وهذا بحر ، وهذا كذا وهذا كذا ، لكل شيء ، ثم عرض تلك الأَشياء على الملائكة فقال : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن جرير بن حازم ومبارك ، عن الحسن ، وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا : علمه اسم كل شيء : هذه الخيل ، وهذه البغال ، والإِبل ، والجن ، والوحش ، وجعل يسمي كل شيء باسمه . وحدثت عن عمار ، قال : دثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : اسم كل شيء . وقال آخرون : علم آدم الأَسماء كلها أسماء الملائكة . ذكر من قال ذلك : حدثت عن عمار ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال : أسماء الملائكة . وقال آخرون : إنما علمه أسماء ذريته كلها . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال : أسماء ذريته أجمعين . وأولى هذه الأَقوال بالصواب وأشبهها بما دل على صحته ظاهر التلاوة قول من قال في قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها إنها أسماء ذريته وأسماء الملائكة ، دون أسماء سائر أجناس الخلق . وذلك أن الله جل ثناؤه قال : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ يعني بذلك أعيان المسمين بالأَسماء التي علمها آدم ، ولا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة ؛ وأما إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الخلق ، سوى من وصفنا ، فإنها تكني عنها بالهاء والأَلف ، أو بالهاء والنون ، فقالت : عرضهن ، أو عرضها . وكذلك تفعل إذا كنت عن أصناف من الخلق ، كالبهائم والطير وسائر أصناف الأَمم ، وفيها أسماء بني آدم والملائكة ، فإنها تكني عنها بما وصفنا من الهاء والنون ، أو الهاء والأَلف . وربما كنت عنها إذ كان كذلك بالهاء والميم ، كما قال جل ثناؤه : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ فكنى عنها بالهاء والميم ، وهي أصناف مختلفة فيها الآدمي وغيره . وذلك وإن كان جائزا فإن الغالب المستفيض في كلام العرب ما وصفنا من إخراجهم كناية أسماء أجناس الأَمم إذا اختلطت بالهاء والأَلف ، أو الهاء والنون . فلذلك قلت : أولى بتأويل الآية أن تكون الأَسماء التي علمها آدم أسماء أعيان بني آدم وأسماء الملائكة . وإن كان ما قال ابن عباس جائزا على مثال ما جاء في كتاب الله من قوله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ الآية . وقد ذكر أنها عرضهم في حرف ابن مسعود : " ثم عرضهن " ، وأنها عرضهم في حرف أبي : " ثم عرضها " . ولعل ابن عباس تأول ما تأول من قوله : علمه اسم كل شيء حتى الفسوة والفسية على قراءة أبي ، فإنه فيما بلغنا كان يقرأ قراءة أبي . وتأويل ابن عباس على ما حكي عن أبي من قراءته غير مستنكر ، بل هو صحيح مستفيض في كلام العرب على نحو ما تقدم وصفي ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ قال أبو جعفر : قد تقدم ذكرنا التأويل الذي هو أولى بالآية على قراءتنا ورسم مصحفنا ، وأن قوله : ثُمَّ عَرَضَهُمْ بالدلالة على بني آدم والملائكة أولى منه بالدلالة على أجناس الخلق كلها ، وإن كان غير فاسد أن يكون دالا على جميع